دور الغذاء ذات الأصل الحيواني في انتشار أمراض التسمم الغذائي

21 يناير
 
كلية الزراعة والطب البيطري
قسم الطب البيطري
دور الغذاء ذات الأصل الحيواني في انتشار أمراض التسمم الغذائي
د. شوكت عبد اللطيف
أستاذ صحة الغذاء

مقدمة :
تحدث حوادث التسمم الغذائي (Food poisoning) نتيجة تلوث غذاء الإنسان ببعض الميكروبات أو سمومها . ويطلق مصطلح حادثة ( (Incidence عندما يصاب فرد أو فردان بحالة تسمم غذائي ، بينما تطلق كلمة وباء ( outbreak) عند إصابة عدد أكبر . وقد تحدث حوادث التسمم الغذائي على نطاق ضيق مثل المنزل أو على نطاق واسع مثل المطاعم أو حتى على نطاق أوسع كما في حوادث التسمم الغذائي التي تحدث في المدارس والمستشفيات . وتلعب الجراثيم وسمومها دوراً بارزاً في حالات التسمم الغذائي ، حيث كانت تعذى حوادث التسمم الغذائي ولفترة ليست ببعيدة إلى التسمم الغذائي الجرثومي دون سواه من المسببات الأخرى للتسمم الغذائي. وينقسم التسمم الغذائي الجرثومي إلى تسمم غذائي نتيجة لإصابات بكتيرية ، ونتيجة لسموم جراثيم غذائية ممرضة وإلى تسمم غذائي كامن . ومن الأهمية بمكان معرفة المسبب والمادة الغذائية التي ارتبطت بحادثة التسمم بالإضافة إلى الظروف والمكان التي حدثت فيه تلك الحادثة . ومن هنا تأتي أهمية إتباع الشروط الصحية في أماكن إعداد الغذاء أو تصنيعه وتعبئته وكذلك حفظه للحد من حوادث التسمم الغذائي .

والثقة في سلامة الأغذية والاطمئنان إليها مطلب مهم في نظر المستهلكين. ومن شأن ظهور أمراض منقولة بالأغذية بسبب عوامل مثل Escherichia coli, Salmonella أو ملوثات كيميائية، أن يُبرز مشكلات سلامة الأغذية وأن يزيد من قلق الجمهور من أن نُظم الزراعة الحديثة ونُظم التجهيز والتسويق العصرية لا توفر الضمانات الكافية للصحة العامة. ومن العوامل التي تساهم في ظهور مصادر خطر في الأغذية عدم سلامة الممارسات الزراعية؛ نقص النظافة العامة في جميع مراحل السلسلة الغذائية؛ عدم وجود رقابة وقائية على عمليات التجهيز والإعداد؛ إساءة استخدام الكيميائيات؛ تلوث الخامات أو بقية العناصر أو المياه؛ عدم كفاية التخزين أو عدم سلامته وغير ذلك.

ونظراً لأن أي نشاط إلزامي من هذا النوع لن يستطيع أن يبلغ جميع الأهداف دون تعاون ومشاركة كاملة من جميع أصحاب المصلحة مثل المزارعين وجهات الصناعة والمستهلكين فإن عبارة نظام الرقابة الغذائية تستخدم في هذه الخطوط التوجيهية لوصف تكامل الأسلوب التنظيمي الإلزامي مع الاستراتيجيات الوقائية والتثقيفية التي تحمي السلسلة الغذائية بأكملها. وعلى ذلك فإن نظام الرقابة الغذائية الأمثل يجب أن يشمل الإنفاذ الفعال للاشتراطات الإلزامية، إلى جانب التدريب والتثقيف، وبرامج الوصول إلى المجتمعات المحلية وتنشيط الامتثال الطوعي للنُظم. وقد أدى إدخال الأساليب الوقائية مثل نظام تحليل مصادر الخطر في نقاط الرقابة الحرجة (HACCP) إلى تحميل النشاط الصناعي مزيداً من المسؤولية عن الأخطار الغذائية ومزيداً من الرقابة عليها. وهذا الأسلوب المتكامل يُسهل تحسين حماية المستهلكين ويُنشط الزراعة وصناعات تجهيز الأغذية تنشيطا فعالاً، ويُنشط تجارة الأغذية على المستويين المحلي والوطني.

دور المجازر في الحد من حالات التسمم الغذائي :

للحد من حوادث التسمم الغذائي التي تحدث نتيجة تناول اللحوم أو أحد منتجاتها لابد أن نبدأ أولاً من التشديد على إتباع الشروط الصحية بالمجازر وذلك بالعمل على منع تلوث اللحوم بميكروبات التسمم الغذائي. وفي المجازر تتعدد مصادر التلوث فقد تكون المياه المستخدمة في عمليات السلخ وقد تكون الأدوات وقد يكون أيضا العاملين الحاملين ((Carriers لمسببات التسمم الغذائي مثل ميكروب السالمونيلا (Salmonella) فقد يكون أحد العاملين يحمل هذا الميكروب ويفرزه في برازه دون ظهور أعراض عليه وهنا مكمن الخطورة خاصة إذا كان هؤلاء العاملين ليس لديهم وعي صحي بخصوص النظافة الصحية. ومن هنا تأتي أهمية الكشف الصحي الدوري على العاملين في مجال المجازر وصدور شهادات صحية لهم. وفي الحقيقة كل شيء يلامس الذبائح يمثل أحد مصادر تلوث هذه اللحوم من أدوات وأيدي العاملين وجلود الحيوانات وخلافه . لذلك من الضروري الاهتمام بإتباع الشروط الصحية الواجب إتباعها في المجازر والتي تتلخص في إزالة المخلفات الحيوانية بأسرع وقت ممكن والنظافة المستمرة لعنابر الذبح مع عدم ترك أي آثار لبقايا الدم حيث وجود هذه البقايا تمثل بؤر لنمو وتكاثر الكثير من الميكروبات . كما يجب التنبيه بل والحرص الشديد في عدم تواجد أي بقايا من روث الحيوان على اللحوم كنتيجة لعيوب في التجويف وإزالة الأحشاء الداخلية ، حيث أن روث الحيوان يمثل مستودع لميكروب القولون المعوي (E. coli) وهو أحد مسببات التسمم الغذائي. ومن هنا تأتي أهمية تنفيذ الضوابط الفنية للمجازر الأهلية واللائحة التنفيذية لفحص اللحوم عن طريق إدارات صحة البيئة. بل نطالب بإصدار تشريعات جديدة تشدد على إتباع الشروط الصحية في المجازر مصحوبة بعقاب رادع للمخالفين حتى نمنع حدوث حالات التسمم الغذائي عن طريق اللحوم التي لم تتعرض لدرجات حرارة كافية أثناء إعدادها وطهيها. ولا يخفى علينا أهمية دور الطبيب البيطري في مشاهدة ومتابعة مراحل سلخ وتجويف الذبائح لتفادي أي أخطاء قد تحدث وتؤدي إلى تلوث الذبائح بجانب دوره الهام في فحص الذبائح واستبعاد الحالات المرضية التي من الممكن أن تؤدي إلى حالات تسمم غذائي ، وإذا كان هناك شك في بعض الحالات فمن الضروري إجراء الفحوصات البكتيرية للذبائح التي تهدف إلى الكشف عن ميكروبات التسمم الغذائي قبل السماح لها بصلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

دور الرقابة الصحية على مصانع الأغذية من خلال نظام نقاط الرقابة الحرجة:

يجب أن يكون تحليل الأخطار هو أساس سياسة الرقابة على الأغذية وأساس تدابير حماية المستهلكين. وقد لا تكون لدى جميع البلدان مصادر علمية كافية ولا قدرات أو بيانات كافية لعمل تقييم الأخطار وقد لا يكون من الضروري في جميع الحالات توليد بيانات محلية لهذا الغرض. ولكن بدلاً من ذلك يجب أن تستخدم البلدان البيانات والخبرة الدولية استخداماً كاملاً، وكذلك البيانات من البلدان الأخرى التي تتفق مع الأساليب المقبولة دولياً. ومن المفيد جداً استخدام تقييمات الأخطار التي وضعتها على المستوى الدولي كل من اللجنة المشتركة بين منظمتي الأغذية والزراعة والصحة العالمية المعنية بالإضافات الغذائية واللجنة المشتركة بين المنظمتين والمعنية بمخلفات المبيدات وغير ذلك من هيئات الخبراء. وينبغي للبلدان النامية أن تسير على أسلوب عملي وأن تُنشئ مجموعة من العلميين القادرين على تفسير هذه البيانات والتقييمات، وأن تستخدم تلك المعلومات عند وضع برامجها للرقابة على الأغذية.

ومن الأساليب الوقائية المهمة التي يمكن تطبيقها في جميع مراحل إنتاج الأغذية وتجهيزها ومناولتها نظام تحليل الأخطار في نقاط الرقابة الحرجة. ولهذا النظام مبادئ رسمية وضعتها لجنة الدستور الغذائي المعنية بنظافة الأغذية1، وهو يوفر الإطار المنتظم للتعرف على الأخطار التي تنقلها الأغذية ومكافحة هذه الأخطار. وينبغي أن تعترف الحكومات بأن تطبيق هذا النظام من جانب الصناعات الغذائية سيكون أداة أساسية في تحسين سلامة الأغذية.

ومن المحال توفير حماية كافية للمستهلكين بمجرد أخذ العينات من المنتجات النهائية وتحليلها. فإدخال التدابير الوقائية في جميع مراحل سلسلة الإنتاج والتوزيع، بدلاً من الاكتفاء بالتفتيش ورفض المنتجات في المرحلة النهائية، هو الذي يُحقق الفائدة الاقتصادية لأن المنتجات غير السليمة يمكن التعرف عليها منذ بداية السلسلة الغذائية.والاستراتيجية الاقتصادية والفعالة هي تكليف منتجي الأغذية ومختلف العاملين في السلسلة بالمسؤولية الأولى عن السلامة والجودة. ويكون المنظمون الحكوميون مسئولين إذن عن التدقيق في أداء السلسلة الغذائية من خلال أعمال الرصد والإشراف، كما يكونون مسئولين عن إنفاذ الاشتراطات القانونية والتنظيمية.


الأغذية التي تباع في الشوارع (Fast foods) :

أظهرت الدراسات في البلدان النامية أن نحو 20 أو 25 في المائة من إنفاق الأسرة على الأغذية يحدث خارج المنزل، وأن بعض قطاعات السكان تعتمد اعتماداً كاملاً على أغذية الشوارع. وقد جاء ذلك نتيجة لسرعة نمو المدن وعدم توافر مطبخ أو تسهيلات الطبخ لملايين من الناس. وهناك ملايين من العاملين الذين لا يعيشون في أسرة، كما أن هناك نسبة كبيرة من السكان تتنقل إلى المدن وخارجها من أجل العمل، وهؤلاء جميعاً يعتمدون اعتماداً كبيراً على أغذية الشوارع في طعامهم اليومي.

وفي كثير من البلدان النامية يكون باعة هذه الأغذية عنصراً مهما من مكونات سلسلة عرض الأغذية. ونظراً لأن أغذية الشوارع تكون أسعارها معقولة وتكون متوافرة بسهولة فإنها تلبي حاجة حيوية لدى سكان المدن. وهذه المأكولات والمشروبات تكون جاهزة للأكل من إعداد بائعين أو متجولين يعدونها ويبيعونها أساساً في الشوارع أو في أي أماكن عامة أخرى يسهل الوصول إليها، مثل الأماكن القريبة من أماكن العمل أو المدارس أو المستشفيات أو محطات السكك الحديدية ومحطات الحافلات.

وأغذية الشوارع تثير قلقاً كبيراً لأن سلامتها وإعدادها وبيعها يجري بصفة عامة في ظروف غير صحية، حيث لا تتوافر المياه النظيفة ولا الخدمات الصحية ولا تسهيلات التخلص من النفايات. وعلى ذلك فإن أغذية الشوارع تُثير أخطار حوادث كثيرة من حالات التسمم الغذائي بسبب التلوث بالميكروبات وبسبب استخدام الإضافات الغذائية استخداماً غير سليم وبسبب الغش والتلوث البيئي.


الخاتمة :

إن النُظم الفعالة للرقابة الصحية على الأغذية المتبعة في مختلف البلدان هي أمر ضروري لحماية صحة المستهلكين المحليين وضمان سلامتهم. وهذه النظم أيضاً حاسمة في تمكين البلدان من ضمان سلامة وجودة الأغذية التي تدخل التجارة الدولية وضمان اتفاق الأغذية المستوردة مع الاشتراطات الوطنية. وتفرض بيئة تجارة المنتجات الغذائية العالمية في الوقت الحاضر التزامات كبيرة على كل من البلدان المستوردة والمصدرة حتى تعزز نظم الرقابة الصحية على الأغذية لديها وحتى تطبق وتنفذ استراتيجيات للرقابة على الأغذية استناداً إلى تقييم الأخطار. وقد أصبح المستهلكون يهتمون اهتماماً غير مسبوق بطريقة إنتاج الأغذية وتجهيزها وتسويقها، وتتزايد مطالباتهم بأن تتحمل الحكومات مسؤولية أكبر لحماية المستهلك وضمان سلامة الأغذية.

وفي كثير من البلدان تكون الرقابة على الأغذية ضعيفة بسبب كثرة التشريعات وبسبب تعدد جهات الاختصاص وبسبب نقاط الضعف في الرقابة والرصد والإنفاذ. وتسعى الخطوط التوجيهية التالية إلى تقديم المشورة للسلطات الوطنية بشأن استراتيجيات تقوية نُظم الرقابة على الأغذية بما يضمن حماية الصحة العامة ويمنع الغش والتحايل، ويتجنب تلويث الأغذية، ويساعد على الحد من حوادث التسمم الغذائي. ومن شأن هذه الخطوط التوجيهية أن تساعد السلطات على اختيار أنسب الخيارات في أنظمة الرقابة على الأغذية من حيث التشريع والبنية الأساسية وآليات الإنفاذ.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: